وهبة الزحيلي
1906
التفسير الوسيط
فأعاد اللَّه الطفل موسى إلى أمه بعد التقاط آل فرعون له ، لتقرّ عينها وتسرّ بوجوده لديها وسلامته عندها ، ولا تحزن عليه بفراقه ، ولتتيقّن أن وعد اللَّه بردّه إليها حقّ لا شكّ فيه ، ولكن أكثر الناس لا يعلمون حكم اللَّه في أفعاله ، أي حكمته وتدبيره . خطأ موسى عليه السّلام قضى موسى عليه السّلام عهد الشباب في مصر ، مع قومه الإسرائيليين ، وتعايشه مع فرعون وأتباعه ، ولكنه كان ضجرا متألما لما عليه سوء الحال في مصر ، رافضا ألوهية فرعون ، قلقا من استكباره واستعلائه ، وإذلاله بني إسرائيل ، وينتظر الفرج القريب ، بما آتاه اللَّه من العلم والحكمة والبصيرة في إدراك وحدانية اللَّه تعالى ، وهو بهذا يصارع الآلام النفسية ، من تألَّه فرعون وجبروته ومظالمه ، وهذا ما وصفه لنا القرآن الكريم ، للعبرة والعظة في الآيات الآتية : [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 14 إلى 17 ] ولَمَّا بَلَغَ أَشُدَّه ( 1 ) واسْتَوى ( 2 ) آتَيْناه حُكْماً وعِلْماً وكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ ( 14 ) ودَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ شِيعَتِه وهذا مِنْ عَدُوِّه فَاسْتَغاثَه الَّذِي مِنْ شِيعَتِه عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّه فَوَكَزَه مُوسى ( 3 ) فَقَضى عَلَيْه قالَ هذا مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّه عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ ( 15 ) قالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَه إِنَّه هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ( 16 ) قالَ رَبِّ بِما أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيراً لِلْمُجْرِمِينَ ( 4 ) ( 17 ) [ القصص : 28 / 14 - 17 ] . كان تكوين موسى عليه السلام وإعداده للنّبوة وتربيته يشبه إعداد جميع الأنبياء ، إنهم كانوا قبل النّبوة على ملَّة التوحيد : ملَّة إبراهيم الحنيفية عليه السّلام ، فلما نضج
--> ( 1 ) قوة البدن والنّمو . ( 2 ) أي تكامل عقله وحزمه ، ( 3 ) ضربه على صدره بيده . ( 4 ) معينا لهم .